Sunday, July 3, 2011

المرأة الحصان

Credit: morguefile.com
رغم تنوع مدارس الشعر على مر العصور من كلاسيكية فأتباعية تسعى لإبتعاث الكلاسيكية من جديد لتتناسب مع حيز الحاضر في شكلية الشعر ذو العروض المقفاة والموزونة إلى إبتداعية تغلب عليها الرومانسية مثل الشابية والمطرانية وواقعية ذات نكهتين: سريالية وواضحة كما أتصفت به الشعرية الدرويشية والملكية، إلا أن الكثير من جيل أحمد شوقي وما قبله يتشبث بالكلاسيكية ويعيب استبدال الناقة بالسيارة كقالب حداثي للشعر. رغم أنه لايمتطي ناقة ولا يلبس نعال، بل على العكس من ذلك، يتخنق أناقة بالبدلة والكرافت ويركب السيارة ويعتلي على جناح السرعة الأرض والماء ليغرق شبرا وبوصة في أرض قبيلة "س أليوت."

لا بد لى من القول أنه وبرغم حبى للكلاسيكى من الشعر وأعجابى اللامتناهي بأبحره الموزونة وأبياته ذوات الجذع والصدر وتفعيلته المقفاة وقوة الوجدان وجمال الكلم والمعنى ومعين الحكمة وسحر البيان ورهفة الخيال فيه، إلا أننى أتوافق مع عصرى وأتحالف معه ومع حداثته وشعره الحر والنثري وغير المقفا وإن صعب استنباط عروض له للحكم على أشكاله اللغوية والجمالية. فكما للكلاسيكى عروض يعرف بها صحيحه من مكسوره وجميله من قبيحه، فلشعر الحداثة أيضا عروض سمعية وبصرية وحسية ووجدانية يعرف بها صحيحه من مكسوره وسمينه من غثه  

إذا شئنا اختلفنا وإن اختلفنا فيبقى الود من غير مفسدة للوشائج . أما الذين يحلوا لهم الإقتباس الكلي والنقل والنشر من غير اسقاط بين لمرئاهم ومآخذهم ومرماهم بين فنية والأخرى فيريدونه نقدا على سبيل المزايدة لا أكثر أو أقل، ولو طلب منهم استبدال العربة ذات الدفع العشاري بعربة "الكارو المجرورة بالأحصنة" لماتوا حنقا ورجموا بكلامهم أمهات عيوننا دهرا. بيد أن أناسا من هامة صاحب" المرشد لفهم أشعار العرب" رحمه الله وعطر ثراه وأبقى ذكراه (فكم فجعت به وانا أستلقي يده في يدي قبل موته بعام وبكيته حينها كما لم أبكي أحدا وكان عزائى أنه ترك لنا ذكريات وخلف لنا وللناس عيون كتبه ونبوغه وغزير العلم وطيب التحديث والسرد والحكي) عندما يستوجب النقد كان يعطي كل ذي حق حقه ولا يبخسه أعماله أبدا. كان جما متواضعا رغم غزارة علمه الذي يخيل إليك من كثرته أنه معينا لا ينضب، وقد قالها عندما سئل عن اسهاماته الشعرية أنه أديب وليس بشاعر. واذكر له في يوم قبل مقيل الشمس عندما جاء كعادته يتفقدنا أن سئلنى إلى أي فروع الأدآب والعلم أجنح فقلت له:" المهندس" منها بفتح الدال وضم السين وما طابق لسان قرينته الفضلى "جوهرة" أطال الله في عمرها ومتعها بالصحة والعافية في منازلها أينما حلت وأقامت. فما كان قوله متبسما بوجه صبوح لمن عهده: البنت لأبيها وان أخترتي الأعجمى من اللغة فلا تسريب عليك لما أصاب اللغة العربية من ضمور ووهن. أذكر فيما ذكر أن انحطاط اللغة لم يكن لمستحدثها من الشعر ولم يكن للحداثة موضع بين ما رمى إليه من تحليل وتقييم، ولكن أذكر جيدا قوله كأنه البارحة: "إنما لذهاب قواعدها حتى أصبح الفاعل ينصب والحال يرفع." وأشار فيما أشار إلى عدم اقتدار الكثيرين ممن استقر بهم الحال فى أروقة قاعات منتدى الفلاسفة على الكتابة. وإن كتبوا شيئا لا يعدو أن يكون كلمات وافعال وظروف وحروف جر. وقد عزا ذلك لأن القائمين بالتعليم والدولة التي ترعى نهضة العلوم قد دقت أسفين على اللغة عندما صارت جوامع الكلم في كلياتها لمن لم يجد عليه الحظ بالإقتصاد أو الهندسة أو الطب.

رجوعا إلى ما ابتدرت به مقالي هذا وهو الشعر الكلاسيكي من صفة الجاهلي وحتى قبل عهد انحطاط الشعر لمجانحتة الذوق والرصانة. وما يهمني فيه أوصاف المرأة لدى شعراء "هل من متردم؟! وخليلى مرا بي على أم جندب" ومقارنة عصرية في استخدام كلمة الحصان التى سأورد قصتها فى معرض مقالى هذا. وما استثار حفيظتى لأكتب ما سوف أكتب رغم المحاذير من أن لا أضع نون النسوة في مقال يجلب علي سخط الساخطين وامتعاض التقليدين، هو قصتي مع الحصان محور عنوان هذا المقال والذي أخاله ياتي خفيف الظل على القلب والجوارح معا. وللتوضيح والإبانة ،التقليديون هنا وردت ليس ضربا على صفة الشعر الكلاسيكي. لأن ذلك أحبه وهؤلاء يجعلوننى أتحثث عقلي ولسان حالي يقول، من أين أتى هؤلاء؟ وفي أي عصور الأنغلاق والأفول يعيشون؟ ولأن مدلول التقليدية كما نرمي إليه لا يندرج تحت بند الإطراء، آثرت استخدام المسمى التقليدي وليس الكلاسيكى في تسمية ذاك النفر من القوم ، لأن الكلاسيكي أرتبط لدي بأفق الموسيقى واسعة النغمة حتى النخاع كسمفونيات بتهوفن والأصالة فخيمة الدقائق والتفاصيل من جمال المعمار والشعر والخطب والرسائل مما نعده من مفاخر اللغة وأرثها الرائع.

إن قصتى والشعر كلاسيكيا كان أم حداثيا بدأت منذ نعومة أظافري. فقد تفتحت عليه عيناي منذ صغري. ونشئت يلفنى العبق الكلاسيكي من شروح المعلقات والنوادر عند العرب إلى مقامات الزمخشري وأبو العلاء المعري والمستطرف في كل أمر مستظرف. وكانت أحب فروض العمل المنزلى إلي عند حلول الإجازة هو إزاحة الغبار عن الكتب وترصيصها في متسق هندسى مستقيم على الأرفف. وكان أثقلها على قلبى "تخصيم الزائرات بالنبى" لقبول الضيافة من مشروب مسكر في قارورة حتى يجف حلقى... ولولا الملامة لتكرعت ما استوجبته الضيافة تلك. كان ا لفرض الذى يتساقط خفيفا على قلبى إذا هو العناية بالكتب وكنت أشغل طول نهاري ربما حتى موعد انطلاق "صفارة النقل النهري" معلنة تمام الثانية ظهرا. ليس لأن ما علق بها من غبار الصيف وهبوب الخريف تكوم هضابا وجبالا وشق أودية ونقش علامات تستوجب زمنا طويلا لإزاحتها، ولكن لأن كل كتاب كان لا بد أن تمر صفحاته مر البرق على ناظري. كل أتفحص غلافه بعين ثاقبة، إن استهواني تصفحته على مهل وإن لم ينزل منزل القلب تصفحته على عجل. واذكر في ما أذكر وتيمنا بالعهد المدرسى عند بداية شروح المعلقات والتطفل السؤالى عن كل ما هو غامض ولا يكاد يستبين، أن سئلت أمي ما معنى "بسقط اللوى بين الدخول وحومل" وكنت أخال الدخول اسم لإمراة وان حومل صفة رفيقتها. لشدة ما أضحك أمي ذلك اقسمت من وقتها أن لا أقرأ الكلاسيكى الا بعد قراءة المعلم له و العروج على شروحه مما اكسبنى عدم رضا معلمي عن قراري البئيس بعدم رفع الأصبع ولو من قبل التهديد والوعيد الرفيق وقولة "أبيت". ومنذ ذاك الحين قلت جبران والشابى أحسن. تواصلت قراءتي للمعلقات والشعر الجاهلي تارة تحت علام أمي وأخري تحت علام معلمي. ولكم ليالي بشعر امرؤ القيس همت، ومن فرط حبى لشعره كدت أن اتهور فأحاكيه عندما سمعت أبو جندب من البعد ينشد متى تأتي أم جندب؟

حمدت الله أني أثرت القراءة في السر والأنشاد في الجهر لمعلقاته وكف الله أمي ما كنت سادغدغ بها أحاسيسها حتى تقطع المصارين على حد قولنا نحن معشر السودانيون. وكم أصابتني الغبطة عندما رأيت في ما رأيت أن أبيات من معلقة أمرؤ القيس يهيم فيها افتخارا بوصف فرسه صارت مقررا دراسيا. ولما كان العهد بعدم ابتدار القراءة حتى سماعى انشاد معلمي أو تلعثم غيرى وتصحيحه من قبل معلمي، تخفيت خلف طرحتى البيضاء وتقصرت ما شاء لى القصر وانتميت لحظيا إلى قوم "البوشمن" المشهورين بقصر القامة. ولكم كان حظي عاثرا رغم تقاصرى عندما سمعت اسمى يتردد في فضاء الفصل. فما كان لى من مهرب وتحولقت وتبسملت ودعوت يا مثبت القلب ،فقد فاقت دقاته الثلاثمائة وازدادت الدورة الدموية صعودا وهبوطا. كانت دقائق عصيبة حاولت عبثا تذكر كل ما كانت تقرأه أمي على مسامعي عله يجود علي بثبات في القراءة استحق معه الإشادة. ومن حظي العاثر لم يكن ما سأطلسم به من بين ما قرأته أمي على مسامعي. ولما رأيت أنه لا مفر باشرت بقراءة الأبيات التالية:

وَقَدْ أغْتَدي وَالطّيرُ في وُكنُاتُها
بمنجردٍ قيدِ الأوابدِ هيكلِ

مِكَرٍّ مفرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ معاً
كجلمودِ صخْر حطه السيل من علِ

على الذَّبْلِ جَيّاشٍ كأنّ اهتزامَهُ
كما زَلّتِ الصَّفْواءُ بالمُتَنَزّلِ

مسحٍّ إذا ما السابحاتُ على الونا
أثرنَ غباراً بالكديد المركل

ولك مطلق الحرية أن تتخيل ما قرأت وكيف قرأت. ولك أن تضحك حتى يسري فعل القطع في المصارين. فقد قرئت مكر بالفتح مكر بضم الميم و سكون الكاف، وحطه حطة بكسر الحاء على وزن حنطة، والذبل على وزن الزبال، وزلت بتشديد اللام زلت بتسكين اللام وضم التاء. وحتى البيت الأخير الذى استبشرت به خيرا عندما رأيت كلمتي مسح والكديد لما خلتها مرادفتان للمسح من جردل المسح والكديد تفعيل مرادف لحالة كد الدوم، لم يجد علي إلا بإخراج المكتوم من الضحك الى حيز الحرية من قبل صاحباتى وبشفقة المعلم وما أبطن من حولقة. ولك أن تخال من يومها أنا والحصان لا يمكن أن نجتمع في مكان إلا ومسحة عتاب تنداح في صوتي مرددة ومالها غزالة المها أو ظبية الوادي أو حتى الشمس في محياها ومرقدها واسترسل في الذاكرة وحال نفسي يقول"يعني لم يحبك إلا الحصان لأمرؤ القيس". ليته كان كالمجنون أو الحمداني لأت بذكر أسامي وصفات مثل ليلى وأسيلة الخدين. أما أم جندب فمنذ تلك الواقعة أنهال عليها بالتدّعي كلما ردت على أبى جندب. وحمدت الله زمنا أنها لم تكن من ضمن المقرر. وحمدته أكثر عندما آن أوان التجديد ورسى المقال على عمرو أبن كلثوم فاحببنا قافية النا والتصبيح ومفاخر قومه و مناقبهم ومآثرهم.

Credit: morguefile.com
مرت على واقعة الحصان الشعرية تلك ست من السنين تنقلت خلالها ما شاء لى التنقل بين المشرق الأوسطي والمغرب وأعالي النيل الشمالية. ولأن النيل خلته ينبع جنوبا ويصب بعد مفرقه شمالا في المتوسط، هكذا علمونا في الجغرافيا و حتى منتهي الدقة ، آثرت أن أقتبس مسمى المعلم الجغرافى الولائي الجنوبى وأطلقه شمالا. وفي يوم من الأيام وكنا قد عقدنا النية فيمن عقد، أن نذهب لأداء العمرة في فوج من جامعة العلوم الأم بالرياض الصحراوية لما لاح لي مجئ لتجديد الإقامة. و لما كنا من نفس الحلة والقبيل لم تسري علينا قوانين المحرم ذاك المسكين الذى لا تكل له رجل على دواسة البنزين ليقضي لنا المشاوير وأن كان شراء كريم أو منكربضم الميم وفتح الكاف للتجميل علي فهم أحد التقليديات حين قالت " يا أختى ترا حرام المنكير فهو من اسمه منكر وكل منكر منهى عنه". فقلت اطمئن نفسي أنها بتمام عقلها، ربما عنت شئ آخر مثل" نكرت عليّ التجمل" وما شابه من زينة وحتى أخفف حدة نقدي لها إذا انبريت وعقدت العزم، قلت لها ربما على وزن نكر الشئ أي لم يقر به. ولما كانت النون قريية من الميم، الأولى باطباق اللسان على سقف الحلق والثانية تكون بأطباق الشفتين، انقلبت بقدرة قادر ميم وثبتت النون بالسهو وكسرت الكاف فأتت على وزن مفعل –منكرعلى المناكير أن يترك الظفر بلا خضاب كما تخضب بالحناء البنان. وتركتها تتسائل إن كنت أنا في تمام العقل وحضور الذهن أم لا.


رجوعا إلى قافلة العمرة المكونة من سبع بصات ماكنات سمان بالأبهة والفساحة، بحمد الله كانت ما أجملها قافلة من الركبان على مقاعد بصات وثيرة تيمنا بالكلاسيكى تشق عباب الأسفلت وتطوي الشارع الأسفلتي طي المزن من السحب. ليست بمكركرة ولا دخنة ذات ديزل سوبر .مبيزنة ذات مدخنة تتهادى كنؤم الضحى لا تتكعبل عند الفرملة. على كل، طاب لنا المقام ثلاثة أيام في أرض مكة طفنا وسعينا وتحللنا ولما حان موعد شد الرحال لأراضى نجد ،مشينا نحن زرافات زرافات من معشر النساء نحو حاملات البدن أوان السفر. و لما كنا جميعا قد تركنا المحارم على وزن أولياء الأمور من الرجال يتنسمون مهب نجد، أبى قائد القافلة ألا أن يكون فارس الحوبة وأن تنتقل كل النساء وسوادهن الأعظم من منتسبات جامعة العلوم ممن تدرجن حتى صرن عميدات أقسام مع أفراد أسرته إلى بص المقدمة ليكن تحت رعايته وحتي يكون بمقدوره أن يجزل لهن كرما حاتميا من الضيافة ويقوم على طلباتهن ومتطلباتهن بعين ساهرة راعية. استشعرنا جميعا سكينة وطمانينة والبص يتهادى بنا كجمال الصحراء وهو يشق عباب الأسفلت وصوت المقرئ يملأ مسامعنا بفيض من نور. لم تمضى ساعة حتى قام أحد الرجال بمناولة السائق شريطا طالبا أياه أن يضعه في المسجل حتى تعم الفائدة. واستبشرنا خيرا وما كانت إلا لحظات وبدا صوت مثل "صياح الديكة في حلبة العراك" يزجر ويقرع ويتوعد بالنار لمن لم يسمع الكلام ومن ثم دلف لصلب الموضوع وبعد تنكيل بالدكتورات حاملات الشهادات العليا من دول الفرنجة هجاء وتقريعا وتبخيسا واستهجانا...سدر في تقريعه يقول وقد ألم بنا صمت أهل الكهف وتململ منا من تملل وارتعدت فرائضنا بلا استثناء: شيئان يتطير منهما الإنسان، المرأة والحصان..لم تطق جليستى سماعا ولما كانت من أرض الكنانة كان لابد أن تطوى كلماتها بعضا من تندر و فكهاة: "هو ياختى آيه هو دا..من بنى أدمين يا أخواتى بقينا بقدرة ربنا أشياء وحصين" ولما علا الإستنكار ما كان من قائد الراحلة "عفوا" الباص إلا أن قام بإيقاف الشريط والأعتذار للجميع بأنه ليس صاحب الشريط. تنفسنا الصعداء ولكن كانت رفيقتى في السفر تلك الدكتورة من أرض الكنانة تغلى كالمرجل فقلت لها أخفف عنها وقع التقريع والإهانة بلكنة سودانية: انت ما سمعتى بمعلقة أمرؤ القيس في وصف الحصان ؟ غايتوا كان قاصد حصان قيس بخيتنا. الراجل يمكن ما قاصد شر لكن بس ما بيعرف يتكلم ويمكن كان عرضوا كلامه على عروض الكلام لبقت رقبته زي السمسمة من كلامه المكسر الملجن القبيح الشين ده. وكم فرحت عندما انبسطت اساريرها وقلت في نفسى الحصان وعرفناه، بركة الخطيب ذو الكلام المكسور ما شبهنا بالمعيز. رحم الله شعراء العرب فقد برعوا في وصف المرأة من منظورقيمي جمالي .وفاض شعرهم بجميل الوصف. وكانت في شعرهم مدنى المرفهة الحبيبة نؤمة الضحى، البضة ذات المأكمة التى يضيق الباب عنها. درك الله يا عمرو ابن كلثوم فما هجيتها لإشتداد نحافة عودها فانشدت كما أنشد الشاعر يشبه نحافة سيقانها بعرقوب النعامة.

No comments:

Post a Comment