Monday, July 18, 2011

متفرقات..الماعز لا يؤتمن على الورق

credit: sodahead.com
(1)

نحن قوم كرماء، ولكن إذا حكمنا حكمنا جبارين

نحن قوم كرماء؛ نقيل العثرة ونجود بالكثرة ونعين على النوائب، وفينا من السماحة ما يتناوله القاصي والداني منال المكرم ذي الخصال حمدا، و يشدو به الألمعي الجياش ذي الهمة والنخوة مدحا. وفي ذلك شدا عبد العزيز داؤد(رحمه الله) شدو المحب المكرم لأهله وناسه وأرضه وشعبه. فما مضى حين بقي صوته الرخيم ذي الحن والشجن يصدح كلما دنا داني الوطنية، يعلن للورى عزا إن أرادوا سماعا، عن صفات مشهودة فينا تستجلب المفخرة والمباهاة "للزول السمح". حيث أنّا أسياد شهامة قيضنا أنفسنا للكرم جندا، نخوض "الحارة" خوضا ونسعى دؤوبين سعيا "ينكرب" فيه الزند وتشتغل فيه الهمة وتتلاحم فيه السواعد تلاحم الأخوة من ذي رحم، وإذا وقع بيننا من واقع لضعف أو قلة سارعنا بسنده بالقوة وبالكثرة. وفوق كل هذا، كثيري الطيبة حتى أضحت من فرطها سمة يتناولها كل من قرب ودا وصلح نفسا، حتي من أراد غشا من قبيل "الفهلوة" أو قصد أستهيانا وتصغيرا من قبيل المذمة أسبغها علينا حقا. فما رأينا قوما أجتمع فيهم الكريم واللئيم ناعتا بالطيب خصالا إلا نحن. فأي منزلة أعظم من تلكم منزلة وأي مكرمة أجزل من تلكم مكرمة. ورغم ذلك من يميننا إلي يسارنا إذا توسدنا سدة الحكم بطشنا جبارين!.



(2)

في يوم إستقلالنا كم رأية نرفع؟


ستُحدِّثُ كتب التاريخ عنّا وسيقرأ القارؤون-أحفادنا الأولين منهم والأخرين- عن آننا وعن ماضينا شعبا وأمة. هكذا مثلنا تماما عندما جلسنا مناكبنا حذا المناكب على طاولات دراسة تصر صريرا إذا ملنا عدولا، نعكف على كتب التاريخ إقبالا. ففيها ما فيها من أخبار الأولين ما يبعث السعادة على ثاغرين وتخر لها القلوب التي بين الجوانح مسرة وحبا. فحدثنا فيمن حدثنا الراوي عن رجال كالأسود أشاوس مقبلين كرا لا فرا وعن نساء حرائر تقدمن الركبان دفاعا مقبلات غير مكرهات. حدثنا عن سودانٍ جحافل الخيل فيه معقودة للخير وللحرية وللواحد الذي أرسى عمده فاستوى. وحدثنا عن الرايات الخضراء رفوعا وعن دراويش مهديين أمراء في حلل مبرقعة دونهم الملوك والسلاطين يزودون عن الحياض زود الأشم ذي البأس عدول رحيم. وحدثنا عن قصص البطولات تحت أسنة الرماح وتحت صرير الأقلام، وعن أناس مقيمين أو ظاعنين بالمحلي والأفرنجي توحدوا فتآلفوا فكان الجلاء وكانت رأية الإستقلال. أشفق علي أحفادنا القادمين منذ الأن كثيرا. آتسائل ترى عن ماذا يحدثهم الراوي؟! عن أقوام نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، أم عن المنحنيات الواسعة استبدلت بمثلثات مدببة ضيقة، أم عن أمة كانت أربى من أمم ففرقت سبيلها طرائق قددا، أم عن البراغماتية والواقعية السياسية التي أودت بالوطنية هلاكا فكان لابد من انفصال يتلوه انفصال. آتسائل كثيرا وذكري أستقلالنا الرابع والخمسون ما زالت ندية ترى ماذا سيكون حالهم وهم يقرؤون تاريخنا . آتراهم يقرؤون عنّا مدبرين أم محجمين؟! ترى عن كم سودان سيقرؤون و كم رأية سيرفعون؟!..


(3)

الماعز لا يؤتمن على الورق


الحق يقال أنّا قوم لا نعرف الوسطية منهاجا. فالمدح عندنا أما مناً وإما إذاءً!. وكذا الذم فينا إما بغضاً وإما إشانةً. وفي حمى الزود عن "المتمترسين الحزوب" تسمع ما تشيب له الولدان من القدح والذم والملاسنة والإفك، يستوي فيها من يستوي من ذا عقل أو ذا جهالة. أذكر عند جديد عهدنا بملامح حركتنا الطلابية وكنا آنذاك "برالمة" ندرس الهندسة بجامعة الأسكندرية أن رأينا وسمعنا عجبا! كنا نحن ممن لا يلقي بالا لحمى القتال المتمركزة عند بيتنا الأبيض، عفوا إتحادنا و يتقلد ورقة الترسيم البياني عوضا عن القوائم، نصنف من قبيلة المعيز عند أرض ذي سلم. يبعث لنا من بين الفنية إلى الفنية براعى أو راعية من هذا القبيل أو ذاك يجزلون لنا في ذلك من الوقت أجزله ومن طيب الأحاديث أكثره وتذكرة الترام أطوله وأجرة التاكسي أفخمه وربما سندوتشات الفول والطعمية "والجبس" و اللب وحَب الفشار مما يحار له العقل متسائلا: ماذا عساهم يتقلدون، وماذا هم حاكمون؟! كانوا معتدين بذكائهم ومقدراتهم الكلامية على سلب عقولنا حتى نلقي أصواتنا قبل المشرق أو المغرب حسبما يقضون. وكنا نحن في ذلك متواضعين أيما تواضع، نسمع باليمني ونخرج باليسري، ونركب الترام شمالا ثم نعود جنوبا، ونأخذ جملة من القوائم ونضعها في الحقيبة بدل الصندوق ثم نعود غافلين لا ألقينا لهذا أو لذاك. وعندما يسألنا الرعاة نقول: أكلنا الورق قبل أن نصل الصندوق ألم يحدثكم محدث أن الماعز لا يؤتمن على الورق...


(4)

القبة التي طارت عصافيرها

مرت السنة الأعدادية والرعاة هم الرعاة ولكنا لم نعد من فصيل المعيز. ورغم أنشغالنا بخراطة الماكينات وبرادة الحديد ورسم المسامير "والجربوكس"، كن ننتظر حلول الخريف- أقصد الرعاة والصناديق ومطر الحَب والتسالي وتسلق الترام حتى باكّوس. وكانت تأتينا الأخبار من الحداة ولقطات الحصى تروي عن جدل وقع هنا وهناك، وأن الرعاة قد تأهبوا سالين الحلقوم لجولة جديدة فيها "الكبير كبير والصغير صغير واللي ما عندوا حلقوم ساحر ما يلزموش". قلنا ألتقى الجيشان من الرعاة فلا بد أن الحرب حامية وطيسها لا محالة، فلزمنا داخلياتنا وكتبنا. ثم سرى حديث بالمدينة يخبر عن حوادث في شابهاتها مثل حادثة الإفك يستوي في ذلك الذكريين والأنثيين. هب إلينا نفر من الحماة المخضرمين شبابا وصبايا يخبرون الطالبات وطالبات الكليات العلمية خاصة أن تلسن فيكن من تلسن وأن الأمر يتم تداوله بالجمعية التأسيسية وأن الجرائد أستوت وأنبرت تقدح أو تدافع. فالتلاسن قد شمل كل من تدرس بالقطر من قنا إلى الأسكندرية. أستشاط الكثيرون غضبا عندما بلغنا أن الأفك قد طال نسبة عالية لا ينالها ألا رؤسائنا عند صناديق الأقتراع وهي نسبة تسعة وتسعون بالمائة. إستثارت هذه النسبة الغاضبين من الحادبين علينا وعن حمانا فنادوا من مقعدهم بقاهرة المعز بالقصاص وتفعيل الحدود المعطلة والجلد الجلد. في خضم المعركة قالت أحداهن لنا محدثة: "إذا سألوكم قولوا إحنا القدوا في الإمتحان ..آي هديل ذاتم الواحد في المية الفضلوا." فضحكنا جميعنا ولا أدري لساعتها إن كان قد أقيم الحد أو أستصدر لنا إعتذارا من تحت قبة التأسيسية فقد طارت عصافيرها في تلك السنة إلي غير رجعة أو تكون؟!..


(5)

وإذا أتتك المذمة متزيلة، تأتيك تسقط همزاتها..


مرت السنون وحالنا على حاله كلما شحذ الرعاة الحلقوم ودنا موعد الأقتراع لشغل الإتحادات البيض، تأيتك القوائم من كل حدب وصوب تتسابق راجلة وراكبة مجال الذبذبات المترددة والحزم المنقولة. قلنا وما لنا والقوائم فنحن في بلاد أعجمية بعيدة نكاد نعرف بالكاد مستخدمين أسلوب المعرفة بالمحاولة والخطأ: أثيوبي؟! لا إذن صومالي!. لا ورب البيت زول سمح سوداني.. ولكن الحق يقال الرعاة هنا من نوع آخر حذق العلوم والتكنلوجيا ولغة سي أليوت. أشياءه منظمة مكبرة ومصغرة مقعرة ومحدبة والحضور مثل التمام العسكري بمواعيده. ولكن تبقى الرماح على أسنتها والولاء هو الولاء ومن نسى قديمه تاه. فإن كنت في قائمتنا فأنت معنا وإن كنت غير ذلك فإنك منهم. قلت: سبحانك اللهم لسنا بالمعيز فنأكل القوائم هذه المرة كسابقتها البرلومية ولكنّا رعاة حذقنا الرعي بالتجربة العملية حد البنان، وما علينا.. أسم هنا وأسم هناك وأن أتيتم بألف قائمة صرنا ألفا أو يزيد. جب في المدينة حديث عظيم ولغط كثير وأتينا وعدنا وقد رفعت ورقة الفيتو وطالتنا المقاطعات الأسفيرية مع الإجازات القانونية والفيروسات المدسوسة من غير الخنزيرية، فتسائلت في حيرة من أمري: ماذا تراهم يتقلدون، ومن هم حاكمون؟! غبنا زماننا وقفلنا عائدين، لا الرعاة هم الرعاة ولا القوائم هي القوائم والساعة مضبوطة على السوداني. تغّير الحال وظني لأحسن حال، ولكن يبقي دلامة على حاله؛ فإن لم تطالك وشايات الواشين والفيروسات الداجنة أو نسبة التسعة والتسعيين، أتتك المذمة متثاقلة تسقط همزاتها..

No comments:

Post a Comment